الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
167
نفحات القرآن
الآية السادسة تُشبه الآية الثانية في مضمونها من جهات ، حيث تقول : « إِنْ هِىَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُم وَآبَاؤُكُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ » وهذه الجملة توضّح هيمنة روح التقليد الأعمى على المشركين حيث اتّبعوا أسلافهم بعيون وآذان مغلقة ثمّ تضيف : « إِنْ يَتَّبعُونَ إِلَّا الظَنَّ وَمَا تَهوى الأَنْفُسُ » . والملاحظة الجديدة هنا هي عطف ( هوى النفس ) على ( الظنّ ) وهو تعبير كثير المعنى وفيه إشارة إلى أنَّ هذه الظنون الواهية تنشأ من هوى النفس الذي يجعل من الباطل حقّاً في منظارهم ، فهم إذن يعبدون أهواء أنفسهم في الواقع والأصنام الأخرى وليدة لها ! وعليه يكون مصدر الانحراف والضلال لديهم في الواقع أمرين : عدم الاستناد إلى اليقين من الناحية العقلية والعقائدية والتمسّك بالظنون والانصراف عن فطرة التوحيد الصحيحة من الناحية العاطفية والإستناد إلى هوى النفس . وهذه النقطة جديرة بالاهتمام أيضاً وهي أنَّ ( يتّبعون ) و ( تهوى ) فعلان مضارعان ، ويعني ذلك أنّ هؤلاء يستمرّ اتباعهم للظنّ وهوى النفس ويتلونون كلّ يوم بلون جديد ! والملاحظ إنّ أوّل الآية تخاطب المشركين وآخرها تذكرهم باستخدامه ضمير الغائب ( التفات من المخاطب إلى الغائب ) وفي ذلك إشارة إلى أنّهم لا شأن لهم حتّى يستحقّون الخطاب . أظهرت الآية السابعة والأخيرة الحقيقة نفسها ولكن في إطار جديد حيث تقول : « أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِه آلِهَةً » « قُلْ هَاتُوا بُرْهانَكُم » . ولعدم امتلاككم دليلًا واضحاً وموجّهاً على الشرك فإنّكم مدانون . ثمّ تقوم الآية بتوضيح الدليل على بطلان عقيدتهم وتقول : « هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِىَ وذِكْرُ مَنْ قَبْلِى » « 1 » . والتعبير ب ( ذكْر ) بدلًا عن الكتب السماوية إشارة إلى أنّ جميع هذه الكتب عامل تذكير
--> ( 1 ) في هذه الآية استدلال بالدليل النقلي في حين استدلّ في الآيتين السابقتين بالدليل العقلي وبرهان التمانع ( تدبّر ) .